...«رواية الاصنام» ارتدادات الزلزال على المجتمع
بقلم : إسلام خنيش
الزلزال كارثة طبيعية مدمّرة حيث أنّه يُزهق الأرواح ويهدّم البنايات، فيجب على السلطات المعنية العمل على تجنّب كوارثها قدر المستطاع من تدعيم البنى التحتية ومراقبة المشاريع الجديدة ومحاولة الاستشراف قدر المستطاع لبؤرها المحتملة وخطورتها، ولكنّ وإذ أنّها ظاهرة طبيعية سيعنينا أيضا متابعة ما تُحدثه من تصدّعات على المجتمع، فالأدبُ مخوّلٌ له التعاطي مع هذه الارتدادات التي تحدثها الزلازل ويلج في النفوس الإنسانية ويفكّك النسيج الاجتماعي
زلزال الأصنام سنة 1980 خلّف أضرارا جسيمة، بشرية كانت ومادية حتى معنوية، فقد كان سببا رئيسيا في تغيير اسم المدينة من الأصنام للشلف، ولعلّ الأعمال الألدبية لم تتعاطى معه كحدث تاريخي مهم في تاريخ الجزائر المعاصر، فبعده كبير على المخيال الجمعي ولا يزال الجزائري يستذكره في حديثه اليومي، يستذهد بالخراب الذي حلّ وبالكلام الذي دار حينها حول القضيّة، هكذا تأتي رواية «الأصنام، قابيل الذي رقّ قلبه لأخيه هابيل» للروائي الجزائري أمين الزاوي كي تستطلع وتبحث في ما قبل وما بعد هذا الزلزال، بل ولكي تجعلنا نتساءل عن هذا الحدث المقلق، لكن وبصيغة المجاز كيف وإن كان هذا الزلزال عبارة عن تقلّب في الفكر داخل المجتمع الجزائري؟ أن يكون بداية ظهور علامات الفشل والتعصّب وملامسة تاريخ الدموية؟
يشكّل عنوان الرواية بعدا تاريخيا ودينيا في مخيّلة القارئ، وبالخصوص فكرة رقّة قلب قابيل لأخيه هابيل، ستأتي الفكرة كمعطى سردي مخالف لما يحمله وعينا عن قصة القتل الأشهر على مرّ التاريخ، فبداية نحن أمام قصّة أخوين حميمد ومهدي، الأوّل عنيف وطفل مشاغب والثاني هادئ وناعم لحدّ كبير، ويتشكّل وعيّ الأوّل بعد فقدانه للثاني، وسنتساءل لِمَ رقّ قلب حميمد لأخيه مهدي شبه الأنثى؟ هل لأنّه أخوه من لحمه ودمّه أم هو شيء آخر؟ وإن كان الأمر كذلك لَم قتل قابيل هابيل إذن في السردية التاريخية؟ هذا التناقض سيجعلنا نشاهد إطارا آخر لعلاقة الأخوّة
لقد جاء زلزال الأصنام في موعد حرج مع تغيّر الوضع الإقليمي والداخلي للجزائر، فقد كان مع تصاعد الحركة الاحتجاجية للاعتراف بالأمازيغية ونهاية عهد حكم هواري بومدين، وبداية تشكّل طوائف متعصبة تريد الانقضاض على الحكم والمجتمع بالخصوص مع بداية الحرب الأفغانية السوفييتية، هذه العوامل كانت أساسية في ما سيكون بعدها، وزلزال الأصنام فجّر ما كان مخفيا أيضا، فبمتابعة حياة عائلة عللّا فليتا( أب حميمد) سيخبرنا عن علاقة هذه العوامل بالشأن العام الجزائري، لقد تفكّكت هذه العائلة بشكل رهيب وجاب حميمد البلدان من أجل ثأرٍ أكل عقله منذ رحيل مهدي عنه، فما الذي أرغمه على الذهاب لأفغانستان غير هذا الثأر؟ ورحلته هذه تنبئ بكثير من الآثار التي فعّلت مرحلة ما بعد الثمانينات أو ما قبل العشرية السوداء، مرحلةٌ دامية تغلّب فيها صوت العنف ورفض الاختلاف
في رمزية الزلزال يقول حميمد لدى عودته من سفره :«تركتُ أفغانستان في أفغانستان، هناك بعيدا، فوجدتها في الجزائر أو جزء منها... زلزال ضرب كل شيء فاهتزّ كل شيء مكانه»، هذا الزلزال الذي جاء مغايرا لزلزال الأصنام، تصدّع منه العقل والحقيقة والسلم وخلّف العنف والدّم والإرهاب
الرواية تسلك أسلوبا تقريريا في متابعة سير الأحداث في الجزائر، وأعتقد أنّ الروائي كان يمكن له الاشتغال أكثر حول علاقة حميمد مع أمّه لأنّه سيكون مسارا مهما في دراسة ثيّمة الأمومة في المجتمع، وهذا بالخصوص لدى عودته من أفغانستان حيث لم يذكر حالة الأمّ أثناء غياب حميمد لمدة طويلة ما عدا مقطع وحيد
يولي أمين الزاوي أهمية كبيرة في أعماله الروائية لمسألة التعايش بين الديانات في الجزائر، لقد كان كلّ شيء يوحي بمجتمع جميل يتقبّل الآخر ويتيح صورة أساسية لما يسمى الآن بثقافة المواطنة، لعلّ هذا المصطلح غريب عن ذلك الجيل المتناغم لكنّه عاشها في عمقها التجريبي بشكل عفوي لأنّ التسامح كان هو المنتصر، هذا الاشتغال المستمر على ثيّمة العيش المشترك بين الديانات في المجتمع نجده حاضرا في هذه الرواية أيضا كمثال عن غياب التسامح وتدهور النسيج الاجتماعي للمجتمع الجزائري بعد الاستقلال، بالخصوص مع الوصول للعشرية السوداء
لقد تنكّر البلد لشعبه، فجزائر ما بعد الاستقلال كانت صورة مستبدّة بشكل محزن إذ قد واجهت من ضحّى من أجلها بالرفض، وفي حكاية الشيخ مسعود اليهودي عبرة عن كل هذا الفشل في بناء مجتمع متناغم، حيث سيأتي يومٌ بعد الاستقلال يُمنع فيه من دخول مكانه المقدس سابقا(لأنّه تمّ تحويل الكنيس لمسجد)، سيتأثّر بذلك ويلمس هذا النكران العجيب لجزائر كانت تستقطب كلّ القلوب المختلفة لحوضها، كي يدافعوا عنها ويموتوا من أجلها، يقول الراوي عن الحادثة :«دارت برأس الشيخ مسعود تلك اللحظات الصعبة والخطيرة التي قضاها في هذا المكان الديني وهو يستقبل المجاهدين ويسهر على أمنهم وسلامتهم من العسكر الاستعماري»، على هذا كيف لمن سخّر جهده وحياته ودينه من أجل استقلال هذا الوطن أن يُرفض بهذا الشكل؟ لم تمنعه بلده من دخول هذا المكان المقدس، لكنّ شابا متدينا بشكل خاطئ استطاع التعصّبُ اللعب برأسه ألّب الناس على الشيخ مسعود وجعله ذليلا في موضع كان فيه إنسانا صالحا ومفيدا. لقد كفر حميمد بهذا الرفض وبالنكران الذي حلّ بأبناء الشعب الواحد، بالثورة التي احتكرها الحكام واستعملوها وسيلة لبسط سيطرتهم وتحييد جزائر ما بعد الاستقلال عن طريق الحرية والعيش المشترك
Commentaires
Enregistrer un commentaire