تجلّيات أزمة المهجر وعلاقة المثقّف بالوطن في رواية «رصيف الأزهار لا يجيب» لمالك حدّاد
الكتابة الروائية بالشّعر هي تجربة قد خاضها الروائيون الشّعراء، تتمايز اللّغة بهم فتتحوّل لواد جارٍ من الأحاسيس والمشاعر، تلك التي يستطيع الشّعرُ فقط إيقاضها، بهذا تكون توليفة الشعر في الرواية شكلا متفرّدا إذ يتم السرد بإلقاء شعري عذب
في هذا الصدد، نلاحظ التجربة المهمّة للروائي والشاعر الجزائري الفرنكفوني مالك حدّاد، الذي يكتبُ بلغة شعريّة جذّابة، يعمل على تقصّي موضوع الوطن والمهجر في روايته «رصيف الأزهار لا يجيب» الصادرة عن دار جوليار بفرنسا عام 1961، ويستقي أحداث هذه الرواية من تجربته الشخصية إذ قد هاجر لفرنسا في مرحلة الاستعمار، مالك حدّاد يبهرك بقوة كلماته، لا يمكن لك أن تتحمّل أمامها، هو من القلائل الذين يجعلونك تقرأ الشّعر داخل الرواية، حينما تقرأ رواياته ستتساءل هل هي رواية حقّا أم قصيدة شعرية؟ وأنت تقرأ «رصيف الأزهار لا يجيب» ستحسّ نفسك داخل قصيدته «الشقاء في خطر»، هكذا اتخذ لنفسه اسما وصيتا في بقاع العالم، وقد أثّرت روايته هذه، التي تبدو خالدة من خلال ملامستها لأعمال روائية أخرى، في الكثير من الأدباء الجزائريين على غرار أحلام مستغانمي التي استعارت بطل هذه الرواية «خالد بن طوبال» وجعلت منه بطل روايتها الشهيرة «ذاكرة الجسد» التي صنعت لها الاسم الروائي التي هي عليه اليوم، وقد ذكرت تأثير مالك حداد عليها كما فعل أيضا أحد أهم الروائيين الجزائريين الفرنكوفونيين ياسمينة خضرا حينما يقول أنّه صار يفتخر بكونه جزائريا لمّا قرأ رواية «رصيف الأزهار لا يجيب
نتابع في هذه الرواية قصة خالد بن طوبال الذي هاجر لفرنسا أيام الاستعمار، فيلتقي بصديق طفولته المحامي سيمون الناجح في حياته بعدما هاجر هو الآخر من الجزائر لفرنسا، ولكنّه لم يعد يحبّ الوطن الذي وُلد فيه أو لم يعد يراه بنفس صورة الطفولة، هكذا سيجعلنا الراوي أمام الصورة حينما سنقرأ حوارا دار بينهما في لقاءهما، «عزيزي سيمون، هل تعزم أن تعود لبلدنا يوما ما؟» يتساءل خالد فيجيبه سيمون :«بلدنا؟» وهذا بنبرة كأنّ هذه الكلمة في قلبه «خالية من أي معنى، ومن أي محتوى حقيقي»، يتلقى خالد أولى الصدمات من خلال هذا الحوار الدقيق، ولعلّ القارئ سيرى في بنية هذا الخطاب شكلا من أشكال العلاقة التي تأسست في جذور الاستعمار بين الوطن وأبناءه
في حوار ذكيّ بين خالد الذي يجيب مونيك زوجة سيمون نقرأ :«بين أمك وأمّي لا يوجد دمّ مشترك، ولكنّ هناك دمّ مختلط، في نظري لا يجب إلاّ أن تكونا كنّتين، هذا رأيي.ولكن، أنا خالد بن طوبال، رجل ذو قلب صادق ومكانة صغيرة، أريد أن تشمّ أمي أزهار البرتقال كما تشمّ أمك أزهار الخزامى، أن تكون سيّدة بكل حرّيتها في مطبخها مثل أمك في مطبخها. ولكن أريد أيضا أن تعترف أمّكِ أنّها يجب أن تتعلّم الكثير من أمّي التي عانت من أمكِ أكثر مما عانت خاصتك من خاصتي.»، على هذا يعمل مالك حداد في روايته هذه للاشتغال على العلاقة الشائكة بين الجزائر وفرنسا في خضم الاستعمار، وكيف يجب أن تكون هذه العلاقة، سيأخذنا لمقاربة باستعمال مفهوم الأمّ، إذ أنها تملك مكانة خاصة في كل الأعراف، والكلّ يفتخر بها، حتى أنّ هذا الاستعمال يأخذنا لقول ألبير كامو يوم تسلّمه جائزة نوبل للآداب سنة 1958، حين قال :«أنا أؤمن بالعدالة، ولكني سأدافع عن أمي قبل العدالة»، تحيلنا مقاربة حداد لكل هذا، وهو مما يُحسبُ قوةً جمالية في الرواية بشكل كبير، لقد اختار هنا مالك حداد العدالة بمفهومها الإنساني الواسع كسمة أقوى ولم يرى أنّه يجب أن يعادي هذه الخالة التي يملك معها «دمّا مختلطا» بل يتوقع أن يقدّرها بمكانتها في قلبه، ولكن دون أي يعني هذا أن تتجبّر عليه أو تجعل أبناءها يسلبونه حقه وحريته
أحيل في قراءتي هنا، لكامو وما قاله بخصوص «أمّه» وذلك أنني ألمس تقديريّا، على حسب رأيي، في هذه الرواية تناص الفكرة معه، إذ أنّ خالد يؤكّد مرة أخرى :«أنا خالد بن طوبال، رجل ذو قلب صادق ومكانة صغيرة، أفكّر أوّلا في أمّي، بأمّي ومن أجل أمّي، الأمر الذي لا يمنعني من حبّ خالتي، ولكن بشرط جازم أن لا يعتبر أخوالي أنفسهم أنّهم أعمامي»، هكذا يستدرجنا مالك حدّاد بشكل بارع لما يريد تثمينه والمتمثّل في عمق تعلّقه بوطنه وأهميته في ذلك السياق التاريخي الذي كان فيه العالم لا يسمع صوت المُستعمر
في وصف حالته، سيقدم لنا مالك حدّاد تعبيرا بليغا عن المشاعر المختلطة التي تتّقد داخله، يقول فيما تهتزّ له نفس القارئ عن بطل روايته :« ومثل الحربِ كان يبحثُ عن السلام»، أيّ تعبير أبلغ من هذا في تصوير حالته مع المهجر والحرب الفتاكة التي تعصف بوطنه! وسيزيد على ذلك حنينه الكبير لزوجته وْريدة التي تركها تجابه قسوة الحرب وحدها
Commentaires
Enregistrer un commentaire