«رواية «باب الوادي عندما ننتصر للإنسان
بقلم : إسلام خنيش
يعيش الإنسان تجاربا في حياته تطحنه أو تحرّره، وهكذا حتى يصل لنهاية المطاف أين يختفي من عالم كان قد عمّر فيه مدّة قصيرة جدا بالنسبة للوجود الإنساني كله، ولعلّ هذا الإنسان بكونه طرفا في معادلة الحياة والموت يهمنا بآثاره وتجاربه التي نتابعه بها ونتذكّره من خلالها، لهذا قد وجب على كل إنسان أن يرى في هذه التجارب شكلا من أشكال المعرفة
ولنا في هامش المجتمع تجارب مهمة، يعيشها أناس بسطاء وتعطي صورة عن تقلّبات الحياة وكيف للإنسان أن يجابهها، على هذا المسار يكتبُ الروائي الجزائري أحمد طيباوي روايته «باب الوادي» من إصدارات دار الشروق المصرية 2023، ونجدهُ يحتفظ بالبطل الهامشي، كما كتب في روايته السابقة «اختفاء السيّد لا أحد»، هكذا سنتابع قصّة حياة كمال المؤلمة بأثر تراجعي، وسيرورة الجزائر بعد الإستقلال، عن معنى العيش داخل كذبة ستطعنك أو ربّما تكون صدمة مخيفة للكيان، خاصة عندما يكون الفاعل أقرب الناس إليك، هل ستنتهي حياتك عندما تعرف أن كلّ ما تعرفه عن نفسك كذبٌ؟ أم ستعيش وتحاول أن تتقبّل هذا بشكل تدريجي في شكل من أشكال مقاومة سلطة الأمر الواقع؟ هذه الأسئلة تمثّل البنية الفكرية التي سيطرح الروائي داخلها متنه السردي
من بداية الرواية نعلم أنّ السارد وضعنا أمام الصورة، فكمال قد «عاش حياته يطارد والده في الحقيقة والأحلام»، نعلمُ أنّه كائن غير متوازن جراء هذا وأسباب أخرى، لعلّ أكبرها خاله يحيى الذي سيكون نقيضا له في كل شيء، في الحياة والتفكير والعائلة، كيف له أن يكون موافقا له وهو الذي حمل السلاح مع الإرهاب وقتلَ الناس باسم أفكار متطرفة أودت بحياة مئات الآلاف؟ لقد استطاع كمال على نحوٍ ما تجاوز خاله لكنّه لم يستطع تجاوز ما كان يقوله له، وذلك عندما كان ينعته بتلميحات على كونه ابنا غير شرعي، هذا المسار جعله مضطربا وباحثا عن الحقيقة كي يهنأ بمعرفتها على الأقل، فأن تعيش مجهولا في ذاتك وجذورك تجربةٌ صعبة الإدراك
مع تتبّع الحبكة في الرواية سيمثّل كمال صورة للوطن أو للإنسان بصورة عامة، في قلقه ونسق حياته وآماله، لقد عاش حياته تائها بحثا عن حقيقة تمّ طمسها من الجميع ابتداءا من أمّه وأبيه، سيعي أخيرا هذه الحقيقة، ويقول الراوي في خضم هذا قولا يبدو عاديا داخل المتن لكنّه عميق بشكل يجعلُ القارئ يتساءل بعفوية عن معنى حياته وهو لم يتصالح مع ماضيه، يقول :«سيتألم كمال وقد يثور ويسبّ، ثمّ يخرج ولا يعود، لكنّه سيدرك أنّ هذا هو اليوم الأخير لضياعه، سيتحرّر ولن ترهقه بعدُ ظلال ماضيهم الثقيل على حياته»، غياب الحقيقة جعلنا تائهين، لم نتحرر من الماضي، وفي صورة الجزائر غياب الحقيقة حول الثورة، والعشرية السوداء، أسس لهشاشتنا في التصوّر الجمعي للأمور، لو نعي ما حدث حقا يمكن لنا أن نستوعبه تدريجيا، نحلّله، ونعتمد على ذلك كي نمشي صوب المستقبل بأمانِ من يعرف، لكنّ الواقع يملي علينا صورة مخالفة لا نعرف الكثير عن ماضينا ولذلك لا زلنا تائهين
ما يميّز رواية «باب الوادي» هو الاشتغال المختلف للروائي على العلاقة بين الشخصيات، فنجد أنفسنا أمام قصة مختلفة لم يكن كمال ابن زنا بل كان ثمرة زواج عادي لكنّه زواج هشّ ويصرّح عند إطلاعه على الحقيقة :«أنا بذرة ساقطة من زواج بين ضفّتين»، هذا الزواج تحديدا يشكّل مأزقا فكريا نجده يمثّل الصورة الواسعة لعلاقة بين بلديّ الجزائر وفرنسا، فلم يكن الاستعمار ليمرّ بدون أي صدى أو ارتدادات، فكما تُطلعنا عليه مدام كاترين في الرواية «لم يكن المعمّرون كلهم من أصحاب الأملاك والأراضي والمزارع الكبيرة، لقد كان فيهم فقراء وعمال يومية وحرفيون، ولهم انتماء حقيقي للجزائر ولهم جيران وأصدقاء من المسلمين الجزائريين»، هكذا قام عبد القادر بن صابر بنحت كذبة خطيرة من أجل نزوة في قلبه، لم يكن يريد لابنه أن يولد إلاّ مسلما بعيدا عن انتماءه الآخر لأمّ فرنسية فجعل ابنه يعيش مأساة وجودية خطيرة كان يمكن لها أن تمزّقه لولا ألطاف القدر، ستقول ناديا لكمال :«أرادك مسلما..» هل هذا يبرّر الظلم الذي تعرّض له هو وأمّه، أن لم يعرفا بعضهما البعض؟ أو هل ما فعله عبد القادر عادلٌ إنسانيا؟ لقد بنت كذبته مسارا مخالفا للعدالة والحقيقة وتشعّب هذا كي يخترق حياة أشخاص آخرين ويفعل بهم الكثير، لم يكن يعتقد أنّه سيهدم الكثير بفعلته تلك لكنّه اكتشف أخيرا أنّه ظالم حتى لنفسه، وصار يبحث في أيامه الأخيرة عن عفو ابنه
هذه الكذبة التي تمثّل في الرواية العنصر المحرّك للأحداث، تمثّل موازاة التنكّر الحاصل بين الجزائر وفرنسا بفعل أنّ شعبيهما قد تربطهما علاقة عميقة لكنّ السياسات الرسمية أخذت على عاتقها تعميق الفجوة وتكذيب هذه الذاكرة التي تجمعهما
تتجاوب الرواية مع مواضيع مهمة أخرى في منحى تشكّل الجزائر بعد الاستقلال، ومشكلة الحركى التي تبدو عالقة بدون حلّ لحد اليوم، ومشكلات اجتماعية لا تزال ترهق المجتمع الجزائري وتمنعه من خوض المواضيع الراهنية التي ستدفع به للأمام، لكنّ السؤال الأهم في الرواية على ما أعتقد هو أنّ الإنسان يجب أن يكون القضية الأسمى في كل التجاذبات، فإن لم يكن كذلك سنخسر كل القضايا بما في ذلك تلك التي عوّلنا عليها بكل طاقتنا
Commentaires
Enregistrer un commentaire