..«سنوات الجري في المكان» في سيرة الحواس
من طرف : إسلام خنيش
يتساءل كثيرون، وخاصة المصريون، ماذا بقي من ثورة يناير؟ هذا السؤال يحمل في طيّاته العديد من الإجابات، وربّما تختلف كل واحدة منها عن الأخرى، لكنّ الشيء الذي يمكن رؤيته بوضوح، لم يكن واقع اليوم هو ما كان يطمح له من خرجوا ذلك اليوم، لأنّهم خرجوا وتظاهروا من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، ولعلّ هذه السمات تبدو مغيّبة بشكل كبير في بلداننا، يتم ظرع الأوهام والعمل على إقناع الشعوب بتغيّر الحال في حين أنّ المعالم تشير لفشل متكرّر
في ثورة يناير، تكتب الروائية المصرية نورا ناحي رواية فنيّة جميلة بعنوان«سنوات الجري في المكان» دار الشروق 2022، هذا العمل مميّز من حيث تركيبته الفنيّة واشتغاله على فكرة الحواس، سنتابع حياة 5 فنانين شاركوا في مظاهرات ميدان التحرير يوم 25 يناير، منهم من قتل ومنهم من فقد إحدى حواسه، سيتشكل من هذا الخيار الفني تساؤلات حول مفعول الحواس في الحياة، في الثورة والموت، هكذا تعجن الروائية قالبا سرديا تتخلله شضايا هؤلاء الخمسة، والذين يمكن وصفهم بخمسة أطياف بعد الثورة، ونحن نقرأ الرواية يتشكّل طيف كل واحد منهم من خلال تحوّل آماله لآلامه
في إحدى مقاطع الرواية يقول يحيى للطبيب :«أنا فقط فهمت الفرق بين المشي للأمام والمشي في نفس المكان»، هذا التصريح الدقيق يعطي صورة الرواية باعتبار عنوانها المماثل، أي أنّ في تصوّر الشخوص، والعالم الواقعي، كل هذه السنوات كانت لتعطي شكلا آخرا من مكاسب الثورة لكنّ الحاضر يعطي صورة مغايرة، لا تبدو مختفلة كثيرا عمّا قبل الثورة، ونفهم كيف اقتبست الكاتبة عنوانها من معرض «30 يوم جري في المكان» لسعد البيومي حينما أبدع عملا فنيّا من أجل إبداء معارضته لدكتاتورية رئيس دام 30 عاما لي الحكم
يتواطأ النّص مع الفنّ في إبداء الفارق أو (النيونس) بين حظور الحواس و قدرتها على ملامسة الجمال والفن، وتربط هذا مع أزمة الثورة من حيث أنّ أبطال الرواية سيجدون أنفسهم في حالة غريبة لفقدان الحواس، كفقدان يحيى للشمّ، كأنّ الثورة بحدّ ذاتها سلبت منهم حواسهم وهذا من خلال أنّ كل واحد منهم تشتغل حواسه بآماله وأحلامه، فحين تمّ القضاء على الأحلام وتمّ وأد مستقبل مزهر تلاشت الحواس
في مسار موازٍ، من دون الحواس لن يعي الإنسان قدرته على العيش، لن تتوفر لديه الصورة الكاملة عن الحياة، ولعلّ حالة الحبّ تعطي للحواس تدفّقها الأكبر، حيث تقول الراوية نانا عن حبيبها يحيى الذي تتمنى لو تكون معه من أجل أن تحيا :«يحوّلكِ من وعاء فارغ إلى إنسان مرة أخرى، لو يعيد لكِ قدرتك على اللّمس والإحساس بالموجودات»، أي أنّ حواسها تَبهتُ دون وجود هذا الإنسان معها، أيعقل أن حواسنا تزيد كثافة في وسط مليء بالحبّ؟ هذا التساؤل من أهمّ المسائل التي تطرحها الرواية
أمّا قضية العيش بالفنّ فتثير تساؤلات مختلفة، فمن يتعلق بالفنّ يعيش حياته مختلفة، بحريّة وجمالية، وفي الرواية تتحدّث ياسمين عن الفكرة، هي التي وجدت نفسها في مأزق مع عائلتها، ترى نفسها ضئيلة أمام نانا التي تعيش بالفن، بل صارت مثالا تريد الإقتداء بها، إذ تقول :«كنت معجبة بها، كتاباتها على المدونة جريئة، حتى إنها تضع صورا عارية ولوحات فنية غريبة دون خجل. عرفت أنها في كليّة الفنون الجميلة، حتى كليتها مثيرة، أما أنا فأدرس في طبّ الأزهر»، لقد درست ياسمين الطبّ ورغم أهمية هذه المهنة إلا أنها أدخلتها في الرتابة خاصة مع نسق عائلتها المحافظ، لعلّ نظرتها للفنّ والحياة كانت مختلفة وأرادت أن تعيش بشكل مختلف لكنّ محيطها لم يتركها تنعم بهذا، هكذا كانت تحسّ ياسمين بالنقص في حياتها أمام ما تعيشه سارة. هل الفنّ معضلة أم حلّ لمعضلات الحياة؟ ربّما في المجتمعات المتقدمة يمكن القول أنّه بنسبة ما حلّ لكن في مجتمعاتنا المحافظة يبدو أنّ الفنّ والجمال مشكلة تؤرق الإنسان أكثر
في «سنوات الجري في المكان» نحن أمام رواية نسوية داخل الرواية الأصلية، لأنّ الكاتبة تتحدّث عن المرأة التي تعتقد بالحياة والفنّ والجمال كيف أنّها تصبح بين عشيّة وضحاها مقتولة الروح جراء زواج غير محسوب، وهذا مسار مختلف عن طموحاتها ومعتقداتها، وفي هذا سنتابع هوس المجتمع مع العذرية وكيف اشتغل عقلُ نانا بهذا الهوس بسبب ما عاشته من حادثة رهيبة في السجن، فماذا يعني أن تكون في مظاهرة من أجل الحرية والديموقراطية وتجد نفسك وراء القضبان في قضية حول العذرية؟ المسار الذي نتابعه في هذا الصدد يبرز بشكل واضح ماهية الأزمة التي يعيشها مجتمعاتنا
Commentaires
Enregistrer un commentaire