عندما تبوح الصحراء بمعاناة الأزواد في حرب الجفاف والوعود الكاذبة
بقلم : إسلام خنيش
يمكن للإنسان دائما أن يتساءل عن مقدار الجهل الذي يعانيه، فهناك الكثير من الآثار التاريخية والإنسانية التي لم تصلنا، تغافلا عنها أو رغبة في طمسها أو ربّما كان ذلك مسارا تاريخيا ظرفيا أوجبَهُ ذلك الزمن، ولعلّ الأدب، بالخصوص الرواية، يعمل على تتبّع هذه المسارات المغيّبة في التاريخ ويتعاطى مع مواضيعها منتجا فكرة أو قابلية لحلحلتها ودراستها
الروائي والأكاديمي الجزائري الصديق حاج أحمد ينتهج هذا المسار في روايته الأخيرة «منّا، قيامة شتات الصحراء» منشورات الدواية والوطن بالجزائر والروافد ببيروت 2023، الرواية مرشّحة في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لهذه السنة، وهي عمل ملفت بشكل فريد إذ أنّ الموضوع ربّما يُطرح لأول مرة، والسرد محكم والخزان الذي أثّث به حاج أحمد روايته متنوع من حيث استعمال سردية تتراوح بين المكان والأعراف والطوبوغرافيا والتاريخ والأنتروبولوجيا، هكذا يجعلنا حاج أحمد نتبع شتات الأزواد سكان شمال مالي في هروبهم من جفاف 1973 الذي قتل الآلاف منهم ، لكنّ مصيرهم لن يتوقّف برحلتهم هذه لصحراء الجزائر وليبيا فقط بل سيتم قذفهم في حرب ليست لهم إطلاقا وستكون المعاناة مصيرا محتوما لهم
العمل تم الاشتغال عليه بشكل كبير، وهذا في التباين بين السرد والمقاصد والآثار التي تتعقّبها، يحيط الروائي بقصة مغيّبة، وأنت تقرأ تحس أنّك حقيقة في عالم الصحراء إذ أنّ بعض الأعمال الروائية لا تجسّد محيطها بالشكل الكافي، لكن هنا، الصديق حاج أحمد يعطينا صورة واضحة عن الأمكنة وتفاعل الشخصيات معها، من هنا يستقي القارئ أهمية هذا العمل السردي، ففي البدء تأتي الرواية بشكل مربك لا تستوعب نسقها حتى تتوغل في رحلة القبائل هاربة من «منّا»(الجفاف باللغة التارقية) وتستقبل أوجاعَ أُناسٍ عاشوا الويلات بعيدا عن نظرنا، في خضم هذا الشتات يتأزم الوضع وتلوح التهلكة في المحيط، حتى الإبل تذبل وتنطفئ قوة تحمّلها ولكنّ الراوي سيعترف بمركزية الإبل في حياة الصحراويين حينما يتحدّث :«عرفتُ بعد سنين طويلة من محرقة الصحراء، أنّ هذه الإبل لم تكن تحمل متاعنا في هجرة الشتات فحسب، إنما وطننا المتأرجح على سنامها
يستعمل الروائي في السرد تقنية دقيقة توضّح حجم الأهوال التي تسبّب بها الجفاف، فينشئ ثنائية في الحبكة فيما يرويه «قبل منّا وبعد منّا» ويتابع هذه التقنية في العديد من أشواط الرواية، وهذا يركّز الصورة عن حياتين مختلفتين لقوم الأزواد فيما كانوا يعيشونه من حياة عادية ككل البشر أو كما يسميه الروائي «نيلوات» بمعنى رغد العيش باللغة التارقية، وفيما عاشوه بعد الجفاف من «أهوال هذه القيامة غير المسبوقة بصحراء شمال مالي
في تقديم صورة تشكل المقاومة الأزوادية مرة أخرى، يوظّف الراوي آفاقا أنتربولوجية في إبراز التشكلات السياسية بين توارق النيجر، عرب النيجر، توارق مالي وعرب مالي و«موريتانيين أمهاتهم أزواديات تارقيات»، ويبرز الفوارق الاجتماعية والاثنية والأنتربولوجية التي مكّنت فريقا من تسيّد الآخر
لقد عانى قوم الأزواد منذ الستينيات من حكومة مالي التي واجهتهم كما يقول الراوي بادي «بالتنكيل وازميل التعذيب المختوم بحفلة التقتيل، سمّممت آبارنا بلا رحمة، رعّبت نساءنا وأطفالنا ومسنّينا بلا شفقة»، وستمهّلهم الأيام قليلا فقط حتى تصفعهم الأقدار السماوية ثانية كما يقول :«ما إن استفقنا من ثورة الغضبة، حتى غدر بنا الجفاف على حين غرّة، فغُسلت من أدمغتنا فكرة البقاء، انطلقنا تائهين في أرض الله شتاتا..»، كأنّ التاريخ يظلم هذا القوم دائما فلِمأساتهم الكبرى، عاش قوم الأزواد أيضا الخيبة الكبرى أمام مشاهدتهم لحلم بناء وطنهم يتلاشى، فقد ذاقوا طعم الوعد الكبير الكاذب من طرف القذافي، وهذا كما عاشته الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي، وهنا نلمس من خلال الحبكة كيف تتشابه القضيّتان، ففي حين وعدت فرنسا الاستعمارية الجزائريين بالخروج من وطنهم إن هم ساعدوها بخوض حرب ليست لهم ضد ألمانيا النازية فقد وعد القذافي الأزواديين بمساعدتهم في تحقيق رغبتهم باستقلال وطن الأزواد فبعثهم لحرب ليست لهم هم الآخرين في جنوب لبنان ضد الصهاينة وفي الحرب الليبية-التشادية أيضا مستغلا الشتات الذي أوقعه الجفاف في قبائلهم وأرغمهم على الهروب نحو ليبيا والجزائر، وفي الأخير خَلف الإثنان بوعودهم وتعطينا الرواية صورة الأزواديين وهم يتجرعون مرارة هذه الكذبة التي استغلّهم بها القذافي من أجل تحقيق طموحاته. يروي لنا بادي كيف ذهبوا لجنوب لبنان في حرب قاتلة ضد عدو لا يعنيهم، ولعلّ ما كان يحيي قلبه هو هكّتا ابنة خاله التي يحبّها ويتذكّرها دائما، فيكسر الراوي بهما نسقية الموت والحرب كي يدخلنا قليلا في عالم الحبّ والهيام
لا يتغافل الروائي عن ذكر الأزمة الهوياتية التي ضربت تجمّعهم الأزوادي من أجل بناء وطنهم، فلم يتوقّف القذافي عند وعده الكاذب فقط بل صيّرهم لفكرة أخرى تلك التي تتعلّق بعروبة صحراء العرب من أزواديتها، وقد أسال هذا الكثير من الكلام والرفض في وسط المناضلين الذين تحسّسوا أنّ هذا الفعل يريد طمس هويتهم التارقية، وفي خضم هذا يروي كيفية إسكات المعارضين من خلال أساليب سياسية مختلفة
تعطي هذه الرواية بعدا آخر للصحراء ونجد راويا ذكيّا يتلاعب بمقتضى الأمر في كل حالة أو موقف تحدّده توجّهات النّص، وتكمن إحدى سمات هذا الذكاء في وصف العلاقة الترابية والأخوية بين قبائل الأزواد الهاربة من "منّا" وبلاد الجزائر، فنجده يميّز بين ما قام به الرئيس الجزائري بن بلّة سنة 1963 من تسليم قواد المقاومة الأزوادية لحكومة موديبو كايتا(مالي) الذي سجنهم وقتلهم إذ أنّه فعلٌ سياسي وبين ما قدّمته «الدولة النوفمبرية العظيمة» على حسب تعبيره لهاته القبائل من مكان للعيش، وفرصة للعمل ولدراسة أبناءهم، وبما أنّ الراوي هو شاب أزوادي فقد جعله الروائي يتكلّم بكل هذا تعبيرا عمّا عاشه من أمان في هذا البلد، هذا التمييز الدقيق بين الوطن بالمعنى الروحي وبين الممارسات التي تقام فيه جراء منعرجات سياسية ومصلحية مختلفة هو فكرة بنّاءة بشكل كبير لمعرفة أسمى بجذور التراب وإمّحاء الحدود الوهمية في القلوب وفي خضم العلاقات التي تربطنا كشعوب مع بعضنا البعض
المقال منشور بجريدة صوت الأحرار الجزائرية لعدد 24 أفريل 2023
Commentaires
Enregistrer un commentaire