رواية «سالاس ونوجة» لابراهيم تزاغارت في نقد آلة التقاليد، بين الحبّ ووعد العُرف المشؤوم
بقلم : إسلام خنيش
يعمل الكاتب إبراهيم تزاغارت في روايته «سلاس ونوجة» الصادرة باللّغة الأمازيغية في أول مرة سنة 2004، وعمل على ترجمتها للعربية الأستاذ فرحات بلولي سنة 2011، على ضرب مواطن الخلل في التقاليد الباهتة التي تتحكّم في المجتمع الجزائري، وهذا من خلال قصة حبّ بين شابّين، تقاليد تريد حبكَ حياتهما بشكل مُجهِض، عادات بالية توارثناها من أجدادنا وأصبحنا لا نفرق بينها وبين الأسس القيّمة التي يجب أن نحملها عنهم اليوم، هذا التفريق في حدّ ذاته يستوجب منّا نظرة نقدية للأمور من أجل تحوير المفاهيم التي تُنتجها آلة التقاليد
الرواية اجتماعية، تبحث في ثقافة وعُرف هذا المجتمع الجزائري المتوارث، والذي يعيش أزمات مختلفة خاصة جراء هيمنة سلطة التقاليد على الإنسان، وهذا من خلال قصّة ومعاناة سالاس ونوجة في حياتهما، يتلقّى اللأوّل صفعة مؤلمة في صغره عندما تموت أمّه، أما نوجة فقد كبّل وعدٌ فاشلٌ حياتها منذ ولادتها، فقد «أحرقها قول جدّها الذي وعد بموجبه أصهار ابنه أن يزوّج حفيدته بابنهم، أُصيب كبدها بحرقة، حتى التي أنجبتها لم ترحمها»، هكذا تمّ تسطير حياتها من طرف سلطة أبوية غير واعية بأزمة هذا الوعد على هذه المولودة مستقبلا، وهذا مما يبرز في تقاليد مجتمعنا قديما أين تتم وعود زواج مبكّرة وغير مجدية من أجل أطفال حديثي الولادة، وهذا المنطق الخطير تمّ العمل به من طرفهم وترتّب عنه ثأر وقتل جراء نقض هذه العهود المغلوطة سبقا، فأيّ سلطة يملكها الأجداد والآباء كي يتصرفوا بهذا القتل المتعمّد في حق أبناءهم؟ سلطةٌ كرّسها الفكر القبلي وأعرافٌ وجب تهديمها والخروج من براثن الجهل التي تتشبّث بها
يقدّم الروائي صورة شخصيته نوجة المثقّفة والمتعلّمة، حيث تدرس الطّب، وهذا يظهر لنا مقاومة للأمر الواقع بشكل ما، فنوجة التي خرجت وشاهدت ودرست صارت تعي خطورة هذا الخيار على حياتها وأنّه يجب عليها أن لا تقبل هذا الفشل المسبوق، وأنّ زواجها يجب أن يكون ناجما عن الحبّ وأن تصنع هي لحياتها ما تحبّ أن تعيشه، فسالاس هو الذي يجب أن تكون معه لا ابن خالها. أمّا سالاس فقد تيقّن هو الآخر أنّ لا سلطة فوق الحبّ والقدرة على اختيار من يجب أن تعيش معه بشكل مناهض لسلطة التقاليد التي تبني خيالات مضرّة في نفس الإنسان وهذا من خلال سماعه لقصة «الداقاسي وججّيڨة» أين انتصرت عليهما هذه التقاليد البالية والمشمئزة، وعاش الداقاسي حياته في حسرة أبدية بعد انتحار وردته ججّيڨة رافضة لتدبير أهلها بالزواج من أجل السمعة والمال
في نفس الرّأي، وكمثال عن تناص بين رواية إبراهيم تزاغارت هذه وأغنية المغني الجزائري معطوب الوناس بعنوان «هذه إرادتك» أين يُعين المرأة في محنتها داخل المجتمع ويعطي لها ميثاقا كي تتبعه، يقول في إحدى المقاطع «التي يريدونها هي تلك التي يستطيعون الهيمنة عليها.. لست ممّن ينكر عادات وحلاوة تقاليد الأجداد ولكنّ من يريد العلم يجب أن يفكّ سلاسل القيود الضلامية.. لا تردي عليهم وافتحي عينيك، المهم هو أن تَصِلي، علمك هو الذي سيفيد أولادك وستملكين بذلك ما يمكن لك أن تعطيه لهم من معرفة»، يتناول معطوب في هذه الأغنية الجميلة المرأة وما ترتّب على عاتقها من خيبات هذه التقاليد، وعند قراءتي لهذه الرواية أحسستُ أنّ نوجة معنية بها، إذ أنّ قصتها تتوافق مع ما تمليه الأغنية
المقال منشور بجريدة صوت الأحرار لعدد الثلاثاء 28 فيفري 2023
Commentaires
Enregistrer un commentaire