رواية «ليلة واحدة تكفي» لقاسم توفيق في مواجهة أسئلة الحياة مع أصداء الحرب

بقلم : إسلام خنيش

يبدو أنّ الإنسان مقدّر له بشكل أو بآخر أن يتجرّع مرارة الأيام في هذه الحياة، فكل إنسان مهما كانت درجة الرغد التي يعيش فيها، تقابله أيام عصيبة إذ أنّه يعيش في محيط يتشارك فيه الوجود مع الآخرين، وبهذا سيقابل البهجة والحزن، الرأفة والاستبداد، الصحّة والمرض، الحياة والموت

في هذا الصدد يكتب الروائي الأردني قاسم توفيق روايته «ليلة واحدة تكفي» منشورات الآن ناشرون وموزعون، والتي وصلت للقائمة الطويلة للبوكر العربية لهذه السنة 2023، يتطرق الروائي لقضية الحرب وصداها، هكذا اختار حانة كي يقدم فيها أحداث روايته، وفي كل الرواية تقريبا تتطور الأحداث داخلها، حيث تخرج ممرضة تسمى وجدان من عملها وتجد حضْر تجوال وأصوات المدافع والرصاص في كل مكان، يدور هذا في التاريخ الشهير من الخامس من حزيران من عام 1967، لا تجد مفرا إلاّ الحانة التي تدخل إليها في العادة للشرب، تجدها مغلقة وداخلها العامل جود، يتطوّر السرد في حواراتهما، فكلّ يريد أن يحكي عن حياته وعمّا يختلج وجدانه


الحربُ وآثارها تستدعي جزءا من إنسانيتنا، كي تجعله يتأمّل ويتساءل حول عبثيتها، في بداية الرواية نعيش عالما متناقضا يبنيه الروائي في إحالة لما في الحياة من تناقضات وعبثيات، نجد عالما فيه حادثة إنجاب طفل داخل مستشفى أين تُعطى الحياة، وآخر خارجه أين تدوي أصوات الحرب والقتل، هذه الأخيرة ستعطي مجالا لوجدان كي تُساءل حظّها أو قدرها، أين تقف أمام فكرة المكتوب التي كانت تسمعها من أمّها «أنّ كل شيء يصيب البشر مكتوب عليهم»، تتحسّر على هذا المكتوب الذي جعلها تغادر وطنها لعمّان وأن يُبعد أبوها عنها، وتعجز أمّها وبعد كل هذه الهزائم تخسر الرجل الذي كان سيجعل حياتها حلوة، تقول :«هل سأنتظر المكتوب القادم الجديد؟ يا للمأساة». تبرز في بنية هذا التأمّل كيف أنّ تراكم الآلام وتزايد الخيبات تجعل الإنسان يبحث في نفسه عن كل ما يقابله في عالم لا يكاد يخلو من العثرات والسقطات، ويمكن أن نُساءل أنفسنا من نفس المسار، كيف يتحكّم القدر في حيواتنا؟ وهل بالإمكان لنا مجابهة الأمر الواقع؟ في هذا الصدد يعطي الروائي منفذا للإجابة عن هذا التساؤل المقلق في مقدمة روايته حين يستهلّها :«لقد عبرت البشـرية طوال آلاف السنين بوّابة البحث عن معنى وجودها، كل واحد من البشر عرف الإجابة عن هذا السؤال الذي يُقال إنه حيّر الفلاسفة والعلماء، لكن لم يبح به لأحد، بل صار يعيشه» 

يخوض الراوي في مسألة الذاكرة باعتبارها مركّبة أساسية في حياة الإنسان، لا يمكن له أن يتخلّص منها مهما فعل، لذا نجدها تحيط بنا وتقيّد أفعالنا في كثير من الأحيان، وهنا في الرواية تفعل نفس الأمر بكلّ من وجدان وجُود، يقول الراوي :«للذاكرة معابرها غير المرئيّة، عندما يتفتّح وعي البشر، تُشرّع أبواب على العمر لم تُطرق من قبل»، أين تشكّل الذاكرة ينبوعا متدفقا لكل أفكارهما التي يناقشانها داخل الحانة، خاصة وأنّ طفولتيهما تشوبها آثار الألم، يجعلني هذا الأمر أفكّر في كيفية سيطرة الذاكرة علينا، فلا يمكن تقريبا خوض أي حوار أو مجال دون الرجوع لما تمليه علينا ذاكرتنا، وأستذكر مقولة للروائي الجزائري بومدين بلكبير حينما يقول :«لا شيئ يدعى الإنتصار على الذّاكرة. قد يكون هناك ما يسمى بقلب الصّفحة، لكن لا يوجد مطلقا شيئ يدعى تمزيق الصّفحة»، فصفحاتنا القديمة تعود وتتمكّن منا في مرة

 

في الفرح والحزن، في الحرب كما في السلم، يشحد الأمل شيئا فينا يجعلنا نتبع صوته كي نرى مستقبلا أجمل، لكن ربّما أنّ الأمل هو كذبة، هكذا يصوّر لنا الراوي الفكرة من منظور بطل الرواية :«الانتظار يلد انتظارا، تظّل الكائنات منهمكمة بهذه المعادلة الوهم إلى أن تدقّ ساعة النهاية. الأمل كذبة الناس التي يجمّلونها لكي يحتملوا البقاء، يصنعون منه مبررا لانتظارهم الذي يعرفون بأنه بلا جدوى.»، في حين أنّه هل يمكن أن تكون هناك حياة دون الأمل؟ لن تكون ! سيتكاثر العبث وتفسد الحياة، إذ أنّ الأمل بريق الحياة، يعطي لها الحيوية والتطوّر مهما أمكن نقده في حالات معيّنة ومسارات متفاوتة في الحياة


المقال منشور بجريدة صوت الأحرار لعدد الثلاثاء 07 مارس 2023


Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

"Timimoun" DE RACHID BOUDJEDRA LE DÉSERT COMME ESPACE DE DÉCOUVERTE DE SOI ET LA PROBLÉMATIQUE DU CORPS DANS L’IMAGINAIRE COLECTIF

"Le serment d’Oudja" ou le début des renversements et de la dictature en Algérie Quand la littérature dévoile les arnaques d’un homme

تجلّيات أزمة المهجر وعلاقة المثقّف بالوطن في رواية «رصيف الأزهار لا يجيب» لمالك حدّاد