عام الجليد» لرائد وحش تأمّلات عميقة في سيرورة الحياة وما تتركه الحرب في النفوس
بقلم : إسلام خنيش
هذا الكون يحتاج للوعيّ به وبما يتمثّل عنه في حياتنا، لأنّه صنعٌ بديع، فيه ملايين الاحتمالات التي يمكن أن تحدث ولكنّ الواقع يرينا الصورة التي نريد أن نراها، لما لا نفكّر في احتمالات أخرى؟
الصحفي والكاتب السوري رائد وحش يكتبُ بشكل مختلف، كل ما تخطّه يداه يملك رمزية خاصة إذ أنه لا يطلعك على المراد تقديمه إلاّ إن فكّرت مليّا، وهذا يميّز كتاباته سواء الروائية منها أو الشعرية وحتى في مقالاته الصحفية، في روايته «عام الجليد» الصادرة عن منشورات المتوسط 2019، يُتحفنا بقصة سبارتاكوس الطفل الذي يرى العالم من منظور لا نفكّر فيه، أول رمزية هي هذا الاسم المقتبس من قصة القائد التراقي الأسطوري سبارتاكوس الذي قاد ما يُعرف بثورة الزنج الثالثة ضدّ الرومان وذلك من أجل إسقاط فكرة الرّق، من أجل الحرية واتّخاذها منوالا في الحياة، هكذا هو سبارتاكوس بطل هذه الرواية، يبحث هو الآخر عن الحرية في التفكير والتساؤل منذ كان طفلا
لا يخفى لقارئ هذه الرواية، أو ربّما على حسب قراءتي لها، تناصّها مع رواية حيّ بن يقضان لابن طُفيْل في مسارها السردي، فكلتاهما تجعل من طفل صغير يتساءل عن هذا العالم وما فيه من آثار دقيقة تستهوي الإنسان للبحث فيها، ستختلف «عام الجليد» من حيث أنّ الروائي آثر أن يجعل لسبارتاكوس صديقا بشكل مختلف، يتمثّل في قطعة جليد تذوب وتتحجّر سمّاها «زمهرير»، فكرة أن تكون قطعة جليد أحد شخوص الرواية والسارد في نفس الوقت فريدة إذ يتعجّب القارئ من هذا الخيار، لكنّ الرؤية الجيّدة في قراءة هذه الرواية ستجعله يعي رمزية هذا المسار إذ كما يصف الراوي «وحوش الجليد» في الرواية فهي «تأتي في ولادات سريعة لتمضي لموت أسرع، ولا تتسنى لها خلال حياتها البرقية معرفة شيء، بما في ذلك إدراك أنفسها»، سأتساءل بدوري هل حياتنا تمرّ برَقيّةً ولا ندركها بحقيقتها حتى تأخذنا الموت؟ أليست وحوش الجليد تتمتّع بميزة أفضل منّا إذ أنّها تتجدّد كل مرة؟ في خضم الرواية وما تطرحه يعبّر هذين التساؤلين عن موقف نقدي لحياتنا، ولكنّ هذا المقطع بالذات يحيلنا للتفكير في جدّية هذا الإلتزام، وعن سؤال جوهري آخر، فوحش الجليد يتكوّن عدة مرات بعد موته كي يستطيع الإدراك مرة أخرى، لما لا نرى هذا شكلا من أشكال التطوّر في كلّ تجربة نعيشها؟ موتتنا كلّ مرة من الخيبات والهزائم والآلام تستوجب أن نتغيّر وندرك حقيقة حياتنا عوض التهافت وقبل أن تأتينا الموتة الكبرى، وكميتة الجليد كلّ مرة واستجماع نفسه وتشبّثه بصورته الجليدية، يجب أن يستجمع الإنسان نفسه في كل هزائمه ويتشبّث بصورته الإنسانية وحريّته في التفكير
في فصل «الاستحضار الصيفيّ» يظهر الروائي رمزية وقوّة الحكاية في كسر الخوف المترتّب من الحرب وكيف أنّها تبعث الراحة في نفوس الناس، من خلال قصّة الكلب والحمامة أين ينتظر الجميع في مخيّمهم المؤقّت تكملة القصة يوما بعد يوم، يهدأ الأطفال ويستمعون بشغف، ويرتاح بدورهم الآباء والأمّهات من عويل اليأس والسقوط، إذ أنّ جوّ الحكاية يأتي كنجدة طارئة لهذا الموقف المرهق جسديا وعقليّا، مقاربة تملك بعدا رمزيا وسرديا محكما، تمكّن الراوي من تأثيث المتن الحكائي من خلال شخصية روايته سبارتاكوس وأضفى فيه كل هذه الأبعاد
كجميع الأطفال سبارتاكوس يستنجد بالخيال في كلّ تصوّراته، لكنّه مختلف بعض الشيء في تكوين شخصيته وتساؤلاته المتعوَّدة ففي عديد المرّات لا «يجد مهربا سوى أن يعيد تفعيل خياله لينقذ نفسه من صراخ المعلّم وضوضاء التلاميذ التي تشلّ الأعصاب»، لكنّه فيما بعد سيخوض أسئلة أخرى بنفس الإلحاح تلك التي ستنتجها محنة الحرب فيه وفي وطنه(سوريا)، معاناة اللاّجئين، القسوة، الموت بكلّ أشكاله، اللاّعدالة والاستهتار بحياة الإنسان، تأمّلاته في مآلات وتحوّلات الحرب تجعله يغادر، حتى صديقه زمهرير الذي يروي لنا حالته يقول أنّه تغيّر منذ ذلك الوقت، وصارت الشظيّة التي دخلت ساقه شاهدة على كل هذا الألم
المقال منشور بجريدة صوت الأحرار الحزائرية لعدد الثلاثاء 14 فيفري 2023
Commentaires
Enregistrer un commentaire