متى سينوّر اللّوز يا ترى؟ قراءة في رواية «نوّار اللّوز» لواسيني الأعرج

بقلم : إسلام خنيش 


ما يميّز أعمال الروائي الجزائري واسيني الأعرج هو تفعيل الذاكرة التاريخية، من خلال محاورة بعض النصوص التراثية المؤسِّسة تارة، وتفعيل التاريخ من خلال سرد تجريبي وتخييلي يكون سياقه معاصرا لكنّه يستحضر الفراغات والملابسات التي لم تُدرج في المخيال الجمعي، في رواية «نوّار اللّوز» (تغریبة صالح بن عامر الزوفري)، يذهب بنا الأعرج لزمن الهلاليين فيما يسمّى بتغريبة بني هلال، أي تاريخ هجرة قبائل عربية من نجد لشمال أفريقيا واستوطانها لمناطق واسعة فيها بعد دخولها من مصر. يُدرج الروائي هذا التراث بجدّية في هذه الرواية لكنّ هذا موازاة مع واقع جديد استفاقت عليه الجزائر بعد الإستقلال


تراث الهلاليين يلاحق صالح الزوفري


في هذا الأفق التجريبي يختار الأعرج شخصية رئيسية تتمثل في صالح بن عامر الزوفري والذي يُعدّ سليل الهلاليين، ومن هنا تتمثّل لدينا بديهيا كيف ستتشكّل علاقة هذا النّص الروائي بتغريبة بني هلال، فمنذ الحرب التي جمعت الزناتي خليفة، أب سعدى، مع الهلاليين بالتحديد دياب الزغبي، هذا الأخير الذي قتل خصمه واستباح ابنته، طرح سيد علي التوناني «لعنة» بفمّه فيما يخص نسل الهلاليين، هذه اللّعنة سنراها تتبعهم حتى تصل لشخص عامر الزوفري، هو نفسه يؤمن بها، حيث أنّ نسله لم يعد يقدر على البزوغ، وحينما توفّت زوجته في المخاض بإهمال طبّي يعقل ذلك، خاصة أنّ ابنه افترسته القطط ويبدأ الألم يتطاول عليه تدريجيا «كانت المسيردية تموت في سبيطار الغزوات وأصابع ابني المقطّعة تتلاعب بها قطط الحارات الشعبية الجائعة التي انتفخت من بقاياه»، يسرد الرواي أحداث هذا القتل العمدي بكثير من الألم والبشاعة التي تعصر القارئ المبهور من هذا المشهد التراجيدي، يتمازج التاريخ مع الراهن في هذه الحادثة حيث يتذكّر صالح في حسرة «سيد علي التوناني لم يكن مخطئا على ما يبدو، وروحه التعيسة وراء إفناء مخلوقات بني هلال

من خلال قراءتنا للرّواية وتتبّعنا لمركّباتها، نلمس عبء ذاكرة ثقيلة ترهق صالح الزوفري إذ أنّ حياته المترهّلة تحيله على ماضي أسلافه دائما ويربط الشخصيات التي تلاقيه بأخرى كانت تعيش في زمن أجداده، بل أكثر من ذلك صارت هذه الشخصيات تأتيه في خياله وفي نومه تنصحه وتعاتبه وتحاوره، ففي سرد تراجعي تتمثّل له صورة لونجا في زوجته المرحومة المسيردية وهذه الأخيرة في صورة الجازية التي تستوطن مخيّلته، هنا بالتحديد، وفي أغلب مواقع الرواية، تتداخل الأزمنة بينها وتتغيّر على حسب تطوّر الأحداث

يعود صالح في أواخر الرواية للعنة التوناني لكنّ في شيء من اليقين ويقول :« التوناني كان مؤرخا فاشلا 

وتافها وأحد أزلام الزناتي خليفة


 مصادرة الاستقلال، «خرجناهم من الباب، دخلوا من التاقة»


شخصية صالح الزوفري متشابكة وتحسّ أنّ الماضي لا ينفك يترصّدها ويحتويها، يتفاعل النصّ بين هذا التراث الذي يلاحق صالحا من زمن الهلاليين وكونه كان مجاهدا في الصفوف الأمامية في ثورة التحرير الوطني الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي، وبعد الاستقلال سنة 1962 تم التسابق للاستفراد بالحكم، هنا نرى صالحا يتحسّر على غد الحريّة والاستقلال «السنوات العجاف التي لم تنجب الشيء الكثير غير كذبة الاستقلال والقتلة الذين تربّوا في حضن الثورة»، ويستطرد أكثر فيقول :« على كل حال إنّهم يصنعون موتهم وموتنا وموت هذا الوطن بأيديهم

 ولعلّ علاقة صالح والنمس في هذه الرواية تعطي صورة واضحة عن هذه الحقبة الحساسة والشائكة في تاريخ الجزائر، إذ أنّ النمس الذي لم يجاهد وكان مع آخرين في خضم الحرب قرب العدو المستعمر، وبعد الاستقلال نجده يتولى المسؤولية، يخدم أسياده ويتسلّط على الضعفاء، يتبع صالح في كل ما يفعله كي يتحيّن له زلّة وينقضّ عليه، الزوفري يشتغل في تهريب بعض الأقمشة والسلع في الغرب الجزائري ويستعين على ذلك ب«لزرق» حصانه الأصيل الذي يمثّل رمزية كبيرة له، نجد الراوي في أغلب النّص يتنقل من حواراته الذاتية لحوار لزرق. بعد ذلك يريد النمس أن يدخله السجن متحججا «أتريد تدمير إقتصاد البلاد»، ولكنّه في نفس الوقت بسبب إمتيازاته يقوم بتهريب سلع أكبر على مستوى أكبر خاصة الخمور، هنا نرى البهتان الذي سقط على بلادٍ كانت ترمي للحرية والسلم والعدالة، في بلاد صار «الحصول على وثيقة المجاهد..لاتكلّفه أكثر من سهرة وبعض زجاجات الويسكي»، هؤلاء الذين «يبادلون عظام الشهداء بالفلات والمقاهي والتجارات المربحة


 واقع مرير يخنق العيش ويتوعّد بالموت في ظلّ بصيص من الأمل


منذ بداية الرواية يصرّح صالح حول وفاة المسيردية، وكيف أنّ ذلك أثقل عليه كثيرا، صار وحيدا تتقاذفه موجات الأيام، يجد في «العرْبي» صديقا وابنا يتشارك معه الأسرار وما يشوب عقله، والتبن صيّر له لونجا الشابة، زوجة الإمام الميّت، وتعلّقا ببعضهما البعض حتى صارت أمله في العيش، تتضارب عليه السقطات فتظهر عليه هي كبريق من الأمل يحثّه كي يعيش

تشكل هذه الرواية في نطاق ما من سرديّتها نموذجا مبنيا على واقعية متقاطعة مع رواية «النّهر المحوّل» للروائي الجزائري رشيد ميموني الصادرة في 1982، أي عاما قبل صدور  «نوّار اللوز»، أين نجد سرديتين متماثلتين في قضية تعاطي بطل رواية ميموني والعرْبي في رواية الأعرج مع الجنس والهيجان في مرحلة المراهقة حيث اتجه الاثنان نحو حمارة، ونجد ذلك مرّة أخرى في الطرح المماثل قضية تهريب المواشي من الحدود، هذا التوافق يجعل من السرد توثيقا حقيقيا للواقع من خلال سيطرة تابو الجنس وانتشار الفساد وغياب العدالة الإجتماعية في ذلك الزمن 

يستشرف الأعرج في هذه الرواية المستقبل، إذ نجده يحذّر من الأصولويين والإسلاماويين ممن بدؤوا بالبزوغ في بداية ثمانينات القرن الماضي، أين يسرد لنا محاولات الإغتيال في حق المثقّفين ويخاطب في سياق حديثه كاتب ياسين قائلا :« آه يا كاتب خويا، لو تدري ماذا ينتظرك وينتظر أصدقاءك من الكتاب؟ ستذبحون كالخرفان إذا وصل هؤلاء القتلة إلى السلطان»، ونرى كيف كان الأمر متوافقا مع هذا التحذير في العشرية السوداء أين إجتاح الإرهاب البلاد واغتال العديد من المثقفين ومئات الآلاف من المواطنين


ينوّر شجر اللّوز في الأخير، لكنّ هل ستزهر الحياة بعد ذلك ؟ 

عمد واسيني الأعرج في هذه الرواية بالتركيز على القضايا المطروحة أكثر من الشكل والبناء اللّغوي للرواية، حيث استعمل في هذا الشأن اللغة الجزائرية العاميّة باسهاب حتى أنّها تتغلب على اللغة الفصحى في العديد من المشاهد، وهنا يتلقّى القارئ هذا النّص بعفوية كتلك التي مارسها الراوي في سرده، وتتداخل الرواية مع الحكاية والتراث بشكل متفاوت وحس إبداعي ثائر


Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

"Timimoun" DE RACHID BOUDJEDRA LE DÉSERT COMME ESPACE DE DÉCOUVERTE DE SOI ET LA PROBLÉMATIQUE DU CORPS DANS L’IMAGINAIRE COLECTIF

"Le serment d’Oudja" ou le début des renversements et de la dictature en Algérie Quand la littérature dévoile les arnaques d’un homme

تجلّيات أزمة المهجر وعلاقة المثقّف بالوطن في رواية «رصيف الأزهار لا يجيب» لمالك حدّاد