فكرة التورّط مع التكنولوجيا بشكل خطير، في رواية «رفُّ اليوم، ما لم يستطع السيّد الحصول عليه» للكاتبة السعودية نجوى العتيبي

مقال من طرف : إسلام خنيش


المستقبل مجهول وما ينتظرنا فيه لا يمكن تصوّره كليّا، إذ أنّ للقدر قوة كبيرة في تغيير الأمور وبعثرة تصوراتنا الإستباقية لها، لكنّ الرؤية الواضحة للأمور ومحاولة استشراف المستقبل ممكنة، خاصة وإن تمّ ذلك بشيء من التركيز والتحليل الدقيق للحاضر الذي بدوره يصوّر لنا المستقبل من خلال ما يقع فيه

في الرواية العربية لا توجد تجارب كثيرة وبارزة في الخيال العلمي، ففي الغرب تتكاثف مثل هذه التجارب وتتمخّض عنها تنظيرات مختلفة، وحتى السينما هي بنفس المقام من القول، ومع بزوغ صيت جيل جديد متفتّح على التكنولوجيا والعولمة بكل مقاييسها وتشعباتها نرى غمار تجارب جديدة


هكذا تخوض الكاتبة السعودية نجوى العتيبي في رواية خيال علمي، وهي تجربة أولى لها في الرواية حيث يمثل هذا لها تحدٍّ إذ أنها بدأت مسيرتها الروائية من مجال صعب الإدراك ولم تخض قبلها في تجربة روائية بسيطة بسرد عادي وأحداث واقعية سهلة التصوّر نوعا ما، وتعمل الروائية على تبيان خطر التكنولوجيا على حيواتنا في المستقبل وعلى الإنسانية جمعاء، فيسرد لنا سيّد نصف آدمي نصف آلة حياته وما يدور فيها من مصاعب في ظلّ تحكم الآلة في كل شيء، وبشكل مبهم تتراءى لنا صورة والديه البشريين، يصير كل شيء يتحدث من خلال آلة، والتحكم في الحياة اليومية من طرف الآلة، إنه عصر الآلة المخيف! يتحدّث الطبيب مع بطل الرواية :«لا توجد دولة لا تحتاج إلى جند، لكنّ الجميع هناك مسالم ومسيّر تقريبا لأنّ الأطباء ضبطوكم على النحو المطلوب»، فقد صار العِلم وسيلة لابتلاع البشرية وتعويضها بشكل من أشكال همجية التكنولوجيا بآلات تتكاثر صناعيا، وحتى الطبّ أنبل المهن يتحول لآلة تدمير للإنسانية وتعويضها بكل شيء صناعي

يتخبط بطل القصة فيما يراه، فكل شيء مراقب ويكتشف من خلال صديق له أنه مراقب بشكل دقيق، حيث تم زرع رقاقة تتبع داخل عينه، ويتم سنّ قوانين ضيقة على الجميع، تتبخر الحرية ويعود مفهومها للزوال كما كان الأمر في غابر السنوات أين تمّت المقاومة لعصور من أجل الحصول عليها، هذا التحول الرهيب في مفهوم العيش يبدو مقلقا بشكل مفزع، إذ أنّ الإنسان بقلبه ووجدانه وضميره يطغى ويجور فما بالنا بآلة لا تملك أي شيء من هذا، تحوز فقط على أوامر وإشارات؟ سيصير العالم مجمّعا كبيرا للاستبداد وقتل الحرية، سيصير الطغيان عنوانا لكل شيء

يصير الماضي الإنساني مبتغى الجميع، فيحدثنا "السيّد" (نصف بشري ونصف آلة) عن تعبه وعدم تحمله لكل ما يحصل له :«إنني عبء، ولا أعرف طريقة أستعيد بها نفسي، فأنا لا أعرف طريقة العودة، أعرف أن أطيع أوامرهم وحسب»، ماضي الإنسانية يزول وتبقى آثاره في الذاكرة كحنين مستحيل الإدراك في عالم تسيطر عليه قوة الآلة كسلطة وكمفهوم، وفي «بلد يطلق كل مرة خطّا جديدا لانتاج الأطفال» فيتحول الغد للآلة يوما بعد يوم، ويتم إنتاج أطفال مهجنين من طرف التكنولوجيا يملكون تعليمات صارمة يعملون على تنفيذها

تنبّئنا الرواية عن فكرة خطيرة وهي التورط مع التكنولوجيا، كيف ستتحول نقمة على حيواتنا وتبتلع كل أسس العقلانية والإنسانية، من سيكون الفائز حينها؟ ومن يتحكم بهذه الآلات وبالعالم إذن حينها؟ ألن تكون قوة بشرية هي من تفتعل كل هذا الجنون؟ ولعلّ أن الأخطر هو تحوّل هذه الآلات على صاحبها فهي ذات جنون غريب لن تقبل بأي حوار أو أخذ ورد بل ستلتهم كل شيء من أجل بقاء الآلة وفناء البشرية، أو ربّما استعبادها! عالم رهيب ومقلق ترسمه رواية نجوى العتيبي، ولعلّه تحذير من مستقبل لا نعي كيف نؤسس له من خلال ممارسات اليوم

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

"Timimoun" DE RACHID BOUDJEDRA LE DÉSERT COMME ESPACE DE DÉCOUVERTE DE SOI ET LA PROBLÉMATIQUE DU CORPS DANS L’IMAGINAIRE COLECTIF

"Le serment d’Oudja" ou le début des renversements et de la dictature en Algérie Quand la littérature dévoile les arnaques d’un homme

تجلّيات أزمة المهجر وعلاقة المثقّف بالوطن في رواية «رصيف الأزهار لا يجيب» لمالك حدّاد